منتدى بلدة المحروسة ـ في منطقة مصياف ـ محافظة حماه ـ يهتم بقضايا البلدة وسكانها الكرام

المواضيع الأخيرة

» الناي
الإثنين سبتمبر 29, 2014 5:53 pm من طرف طارق السيد

» تعلم الأورغ للمبتدئين خطوة بخطوة
الإثنين سبتمبر 29, 2014 5:26 pm من طرف طارق السيد

» حبر وعطر
السبت أغسطس 10, 2013 12:44 pm من طرف الباشااا

» كل شيئ الى زوال
الخميس مايو 10, 2012 9:41 pm من طرف زينا حداد

» شعر : عباس حيروقة كوز وشفاه ..وانين منشورة في جريدة الأسبوع الأدبي
الأحد أبريل 22, 2012 5:17 pm من طرف Admin

» نشاطات في المحروسة
الخميس أبريل 19, 2012 4:26 pm من طرف Admin

» لمحة عن الاذقية
الثلاثاء أبريل 10, 2012 6:05 pm من طرف رياض اسعد

» الى امي
الثلاثاء مارس 27, 2012 2:55 am من طرف زينا حداد

» تعبت من.........؟
الأحد مارس 11, 2012 2:09 am من طرف زينا حداد


    حضور الغائب

    شاطر

    abbas72

    عدد المساهمات : 22
    تاريخ التسجيل : 25/11/2009

    حضور الغائب

    مُساهمة  abbas72 في الإثنين نوفمبر 30, 2009 11:42 pm


    قصة حضورالغائب ـــ عباس حيروقة



    بصبيحة صيف.. إلى الكروم البعيدة وكأنها على موعد رحلت العصافير. رجالات القرى ونساؤها هرعوا، حسبوا كارثة تحل، تبعوا العصافير، دخلوا الكروم كانت العصافير ترفرف تحط ولا تحط.. اقتربوا فكان بهالة نُوريه فوق حجرة بيضاء قرب أصغر دالية هناك في الكروم البعيدة وكأن شارداً يمارس طقوس التوحد بالمكان وأهل المكان وبالزمان وحكمه.. يتهجَّى الأمداء بناظريه إنه هو لم يصدقوا ما رأوا.. إنه الغائب.‏

    أذكره تماماً كم كان يبكي بصمت وقهرٍ كلما خرجنا معاً بعد وفات أمه يبكي ويندب يومه وذاكرته التي تمنى لها أن تثقب.‏

    مولعاً كان بالظل الملقى على ضفةٍ يمنةٍ للنهر، وكان أحن من النعناع على كتف السواقي وأكثف من ضوءٍ على وجه نبي. كنت وإياه توأم الصباحات الخجولة حفاة مشينا على الدروب عراة عرفتنا الحقول وكنا ننام مراراً بفيء البيادر يوقظنا دبيب النمل على أجسادنا حيناً وحيناً أغاني الرعاة العائدة.‏

    أذكره كان يسألني بعد أن ينقّل ناظريه بين ضفتي النهر: ترى ماذا يقول النهر لضفتيه حين يباغته اليباب وماذا تقول الضفة للأخرى.. انظر وهذا الطريق ماذا يقول للأرصفة بعد رحيل المارة؟ شغلنا جداً لغيابه الطويل بحثت عنه في كل القرى. أبوه كفَّ بصره وشلَّ ومات حزناً وقهراً عليه. كان وحيداً لأمه التي توقن أن الشمس لن تبزغ إن لم يمرر ولدها يده على وجهها، وطيب الكون ينبع من حركة أصابعه. كانت توقن أن الزمن يدور ويتوقف وأن الأفلاك والكواكب تتحرك بإيعازٍ منه وأن السنونو لم يعشش في البيوت إلا لأجله وأن يديه تمنحان الخضرة للبراري أكثر من نهري دجلة والفرات وأنه هو الذي عمَّد ويعمِّد ابتساماتِ الشعوب بنوره.‏

    وحيدها كان وكان حين يركض تكون صلاتها وحين يمشي تكون التسابيح وحين ينام كانت تقول: هي كاستراحة الربِّ بعد عناء الخلق بأيامه السبعة.‏

    قالوا يمازحونها: ولدك لُسع بعقرب. إذ كنت وإياه في كل ظهيرة نقلب الأحجار بحثاً عن الأفاعي والعقارب بقصد اللهو والتسلية، كان دائماً وهذا بذاكرتي تماماً... يحمل معه مقصاً صغيراً يأتي إلى نهاية ذيل العقرب ويقصه وبعدها يمسكها ويضعها في قبعته أما الأفاعي فكنا نتلذذ بمناورتها ومسكها من ذيلها وتدويرها وضربها على الصخرة وتركها تمارس ما أورثناها من ثمل العذاب وأحياناً إن أعجبنا بألوانها نعمد إلى اصطحابها معنا إلى البيت ونحطها بوضعها في زجاجة ممتلئة بالكحول.‏

    وأذكر ما أذكر حين أمسكنا بالديك البلدي الأحمر لكثرة ما كان يزعجنا بصياحه ساعة الصباح الأولى، قررت وإياه أن نسقيه (العرق) ولكن بدون جدوى فلجأ إلى فتح فم الديك ودلقت ما تيسر من كأسي بفمه حاول الإفلات لكننا لم نفلته إلا بعد ربع ساعة تقريباً وبعدها بدأ الضحك ولساعات إذ بدا الديك ثملاً يمشي مترنحاً تارةً ويقع أرضاً تارةً، أما صياحه فكان متقطعاً ومضحكاً جداً ولكن بعد أن وصل أبوه وشاهد ما شاهد أمسك بقضيبٍ من الحور وبدأ يضربنا.‏

    قالوا يمازحونها وكانت وما كانت المزحة توقفت عن الحركة، سمرت بمكانها، توقف قلبها، هوت من عليائها مشيعةً كل نطق أو شهيق.‏

    كان يحمل بيديه عشاً هجرته القبرات وفي قبعته عشرات العقارب المقصوصة الذيل حين وصله نبأ وفاتها رقَّ.. شفَّ.. صغيراً جداً أصبح مثل داليةٍ أورقت لتوها لا بل مثل تالةٍ صغيرة دهمها العجاج.. ناح.. بكى.. صرخ.‏

    وأمام بيتهم في حرِّ ظهيرةٍ وقفنا نرقب جثمان أمه مشيعاً بكينا جميعاً. أبوه لأول مرة أراه باكياً، بكاء الرجال مرَّ جداً إذ انبرى ووقف أمام النعش بعد أن أمسك ابنه بيده وقال مخاطباً إياها في النعش: تركته وحيداً وتركتني.. يا اللَّه كم بكينا حينها، لم أكن أعرف الموت أما هو عرف الموت وعرفه جيداً والغياب.‏

    عند الدفن وقع على القبر مغمياً، حملوه إلى فيء شاهدةٍ دلقوا عليه الماء إلى أن صحا وما صحا أخذ يصرخ: أمي لم تمت اسمعوها تنادي وأقسم ذلك، كان ينحني على ركبتيه يضع أذنه على القبر ويصرخ تعالوا اسمعوا أمي.. أمي. بكى وبكينا جميعاً.‏

    في اليوم الثاني ذهب باكراً إلى القبر وهناك زرع داليةً وياسمينه وأخذ ينشد ما علمته أمه والطفولة والحياة. لم يمضِ أسبوعٌ على وفاتها إلا وكثر غيابه إلى أن غاب طويلاً تناقلت القرى هذا الغياب والظهور الأخير له اجتمع كبار القرى ورجالاتها فكان بيانهم الصادر أن حالاته التي مرَّ ويمرُّ بها تشير إلى أن الملائكة حنَّت عليه وأشفقت فأرسلوا إليه وحملوه إلى أمه.‏

    ولكن ظهوره أثار تساؤلات لم يُجَب عنها قالوا: هناك ألمَّ وتوسَّع في المعرفة الحق التي قليلاً منا يصل إلى أطرافها السفلية.‏

    بعضهم شبهه ببوذا إذ هجر القرى والمدن والناس وتغرب طويلاً يبحث عن المعرفة الكونية وبعضهم الآخر شبهه بجلجامش الذاهب باحثاً عن الأبدية ولم يفلح فعاد إلى قبر أمه إلى الكروم البعيدة.‏

    عرفته عرفناه جميعاً لكنه لم يعرفني ولم يعرف أحداً بعد.‏

    بعد تردد دائم تذكرني قليلاً فقط وبعد تنشيط لذاكرته. جلس على حجرته البيضاء تفحص قبر أمه استدار إلى تهجّي ملامحي وقال: الموت ما الموت.. خلقنا الله بأجمل صورة فلماذا يطوينا يهشمنا يكسرنا بما أسماه الموت!؟‏

    ينهض يمسك بيمناي بيدٍ ويشير إلى الكروم المحيطة بنا بيدٍ أخرى يصرخ: هذا قبر أمي وهذي الكروم.. كفنوني بالدوالي كوِّموا على وجهي أعشاش القبرات التائهة، برفق وحنوٍ امسحوا عن راحتي الدموع.. يا كل الكروم حدّقي فيَّ أنا ها أنا لي ما لك لي أمي.. أمي.‏

    ينحني يضع رأسه على القبر يسنده بيدٍ وبيدٍ يلتقط حبات ترابٍ بإبهامه يطحنها فيعبق المكان برائحة النار إذ تراءى لي التراب اشتعل في كفه وعلى القبر كان ووجهه كان.. وكان السلام.‏

    آخر مرةٍ أراه فيها وقف ينظر برفقٍ إلى الأمداء يسأل مفلسفاً الموت فأتهجى الإجابة طويلاً أسأله أن يحدثني عن غيابه وكم كنت أتوق أن يحدثني عنه فدائماً حين أسأله يفلسف لي تارةً الصمت وتارةً النور وتارةً الإله أما حينها فأسند قامته على شاهدة قبر تنهد بعمق وقال: بين الأنا وبين الذات الإلهية ما هي إلا انسلاخ وخروج مني إلى الملأ الأعلى باستعدادٍ وحالةٍ ما.. تحدث حاولت أن أفهم أسأله ليبسط لي قلت: أبوك شلَّ و.. فقاطعني وبغموض أكثر توسع في الرؤية والرؤيا في الوجود ووحدة الوجود.. حاولت أن أستوضح فختم قائلاً: الموجودات وجب وجودها وواجب الوجود له ما له من فائض الهدى والنور والحق. تحدث كعادته وهو في حالة لا تنتابنا نحن العاديين إذ لم أفهم ما يرمي إليه ويقف على قدمين لا تطآن أرضاً.‏

    أسأله بانبهار: بحق السماء من تكون؟!‏

    ينظر بشرود مطلق يقول: لست أنا أنا، أنا النور الذي أنزله الإله على هذا القبر النور وأنا منه ومن الماء والنار والتراب ومن الهواء كل الفيافي شيء من بعض، وشيء من بعضي كلٌّ من شيء و.. و.. و.‏

    نظرت إليه فكان بهالةٍ نورية فوق حجرته البيضاء قرب أصغر داليةٍ، في حالة خروج عن الوعي الآتي تحدث بحالة غيبة مطلقة كراهب يرتل صلاته: السراج سيطفأ هذا المساء والزيت شحَّ فهذا دمي ريثما يطل صباحكم المغموس بنجيع الحكايا.‏

    بسبابة يده اليمنى رسم خطاً على ساعده الأيسر.. يا أللّه نزَّ الدم تكاثف غطى اليد.. الحجرة البيضاء.. القبر.. الكروم.‏

    جاءني صوته: تعالوا هذا دمي وهذا جسدي وهذي الكروم.‏

    هرعتُ خائفاً إلى القرى، الناس نيام، أدق على الأبواب، الناس نيام، أصعد إلى الأسطح، أصرخ أبكي.. نيامٌ نيام. حملت تنكة مرمية وأخذت أقرع عليها مهرولاً، نيامٌ نيام.‏

    لا أحد سواي والكلاب الشاردة والقطط الداشرة.. لا أحد لا أحد.‏

    صباحاً كنت مرمياً على قارعة طريق، حملوني فأشرت لهم باتجاه الكروم هرعنا مسرعين ما كانت العصافير ترف لا وما كان.. ما كانت الحجرة البيضاء بيضاء وما كانت الدالية.. كان القبر وكان مفتوحاً وفي قاعه.. على جنباته تفتحت في غير موسمه شقائق النعمان القانية.‏

    الرماد على مشارف القرى كان وكان الصبح مخموراً ومطعوناً بقامتنا.‏
    عباس حيروقة













    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 90
    تاريخ التسجيل : 17/05/2009

    رد: حضور الغائب

    مُساهمة  Admin في الإثنين يونيو 21, 2010 2:29 pm

    تم تعديل لون الخط من قبل ادارة المنتدى

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد نوفمبر 19, 2017 2:02 am